أحمد فارس الشدياق

172

الواسطة في معرفة أحوال مالطة

من تنصب حرّ وجهها لحرّ الشمس في الصيف بأن تعزق الحقول ؛ وتحمل الأحمال الثقيلة ، وتحصد وتبذر وتجمع الحصود ، وتحتطب ، وما أشبه ذلك . وفي شهر حزيران حين يقطع الحشيش ترى نساء كثيرة يجمعنه ، وحين يحصدن الزرع لا يعملن بنصّ التوراة في سفر الأحار فإنّهن يحصدن الأرض من تحته ، ومع هذا الشقاء فلا تزيد أجرة المرأة في اليوم على نصف شلين ، وهو بالنسبة إلى غلاء بلادهن بقيمة قرش عندنا . فكنت أقول في نفسي ما أرخص الجمال في هذه البلاد ، وما أقسى قلوب الرجال الذين يحوجونهنّ إلى هذا الابتذال ، أو لعلّهم يريدون صبغ هذا البياض النقيّ بورس الشمس أو سحمة الضباب : فلو برزت سواعدهن يوما * لشاعرنا لأنشد من ذهول بربات الحقول يحق لي أن * أشبّب لا بربّات الحجول ولو برزت ترائبهن ليلا * لصدر الدولة القرم الجليل لقال خذوا حظايا الكرج عني * فدى الصّلفات عند ذوي الخمول وفي الجملة فلا شيء أرخص من الجمال في هذه الديار . حبّهم للسمرة هذا ولّما كان لون البياض عامّا في الرجال والنساء في هذه البلاد كانت المرأة السمراء محبّبة إلى الرجال جدّا ، والرجل الأسمر محبّبا أيضا إلى النساء جدّا . وهذه الطائفة المعروفة عندهم باسم جبسس ، وهم صنف من نور بلادنا وغجر مصر لولا دناءتهم لكانت علية الإنكليز تصاهرهم وذلك لسمرة لونهم وكحل عيونهم ، وقد كان الدكطر لي متزوّجا إحدى هؤلاء الجبسيات رآها مرّة فأحبّها لسمرتها ، وأحبّته هي لبياضه ، فوعدها بأن يتزوّجها بشرط أن تتهذّب في مذهب النصرانية ، فأجابته إلى